أحمد مصطفى المراغي
23
تفسير المراغي
وقال ابن كثير : أي حتى تأتينا الملائكة من اللّه بالرسالة كما تأتى إلى الرسل . وهذا بمعنى قوله : « وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا » الآية . وخلاصة ذلك - إنهم لا يؤمنون بالرسالة إلا إذا صاروا رسلا يوحى إليهم . وقد رد اللّه عليهم جهالتهم وبين لهم خطأهم بقوله : ( اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ) أي هو أعلم حيث يضع رسالته ومن يصلح لها من خلقه وهذا كقوله : حكاية عنهم « وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ . أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ » الآية . يريدون لولا نزل هذا القرآن على رجل عظيم مبجّل في أعينهم من القريتين مكة والطائف ، ذلك أنهم - جازاهم اللّه بما يستحقون - كانوا يزدرون الرسول صلّى اللّه عليه وسلم بغيا وحسدا وعنادا واستكبارا كما قال تعالى : « وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَ هذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ ؟ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ » وهم مع ذلك كانوا يعترفون شرفه ونسبه ، وطهارة بيته ومرباه ومنشئه وكانوا يسمونه بالأمين ، فكان ينبغي أن يكون في ذلك مقنع لهم بأنه أولى من أولئك الأكابر الحاسدين له بالرسالة ، وبكل ما فيه الكرامة ، ولكنه الحسد والبغي والتقليد . كل أولئك كان الباعث لهم على تلك الأقوال وعمل هاتيك الأفعال في عداوته ومعاندته . والخلاصة - إن الرسالة فضل من اللّه يمنحه من يشاء من خلقه ، لا يناله أحد بكسب ، ولا يتصل إليه بسبب ولا نسب ، ولا يعطيه إلا من كان أهلا له لسلامة الفطرة ، وطهارة القلب ، وحب الخير والحق . ثم أوعدهم وبين سوء عاقبتهم لحرمانهم من الاستعداد للإيمان فقال : ( سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ ) أي سيصيب المجرمين الماكرين الذين قد قضت سنة اللّه أن يكونوا زعماء في كل شعب دبّ فيه الفساد - عذاب شديد مكان ما تمنوه وعلّقوا به آمالهم من عز النبوة وشرف الرسالة